الحرب الباردة

نتائج الحرب الباردة:
بعد انتصار 1945 بسنتين، دخل حلفاء الامس في خصام. اظهر الاتحاد السوفيتي ادارة السيطرة في مناطق نفوذه. ففي بضع سنوات في اوربا الشرقية تمكنت احزاب الاقلية الشيوعية بواسطة المذابح وبدعم الاتحاد السوفيتي من شغل كل المراكز الادارية. وفي البلدان الغربية حاولت ايضا الاحزاب الشيوعية القوية خاصة في فرنسا وايطاليا، ان تفرض ذاتها عن طريق الاضرابات العامة. وفي سنة 1949، زقعت الصين بكاملها في ايدي رئيس شيوعي هو ماوتسي تونغ. اضف الى ذلك ان في السنين التالية تسلم الشيوعيون الحكم في فيتنام (1945- 1975) وفي كوبا (1959). فاصبح هناك كتلة شيوعية مؤلفة من 1300 مليون انسان تهدد سائر العالم بارادة التوسع.
وراء الستار الحديدي الذي يفصل بين شطري اوربا، قامت الاضطهادات ضد المسيحيين اخذة اشكالا كثيرة . ففي الاتحاد السوفيتي اتخذت محاربة الدين اعنف اشكالها في بلدان البلطيق. في ليتوانيا ساند الكهنة المقاومة الوطنية ضد الحركة البلشفية حنى سنة 1952، مما ادى الى رفت عدد كبير من رجال الاكليرس. وكاثوليك اوكرانيا الشرقيون، بقيادة الكردينال سليبي السجين، ذاقوا الاضطهاد المرير. كما شملت الاضطهادات الارثوذكس ايضا بالرغم من خضوع رؤساء الكنيسة الروسية ظاهرا. وفي كل بلدان الشرق نظمت الدولة محاكمات صاخبة ضد المسؤلين الكاثوليك.
عمانوئيل مونييه (1905- 1950):
اسس مجلة الروح سنة 1932 لتعميق القيم الروحية وللبحث معا عن ثورات زمنية تتطلبها هذه القيم. في كل كتاباته يظهر اهتمامه بتحرير المسيحية من الثقل الاجتماعي والسياسي. انه ملهم الحركة الشخصانية ويبدو متنبها لكل مشاكل الملحدين ولا سيما الطبقة الفقيرة. يقول:
“واجب التجسد، لو كنا امينين ولم نسئ استعمال الكلمة، يجبر على الدوام اخذ مواقف تبدو مناقضة للذوق السليم: ان نموت عن العالم وان نلتزم به في الوقت ذاته، ان نتالم من الخطية وان نفرح بالانسان الجديد، ان لا نحسب قيمة الا القيم الروحية الباطنية وان ننتشر ايضا في الارض لنكسب البعد الشامل الى جانب البعد الباطني، ان نقر بعدمنا وبحرية مجد اولاد الله في الوقت ذاته..”
نهاية الاستعمار والكنائس الفتية:
في العشرين سنة التي تلت الحرب تفسخت كل الامبراطوريات الاستعمارية التي اسستها الدول الاوربية في اربعة او خمسة قرون وبخاصة في القرن ال 19 ونالت الشعوب المستعمرة استقلالها. الم تات فكرة حق الشعوب بتقرير مصيرها من المستعمرين انفسهم؟ ثم ان الحركات القومية لاقت نصيرا لها في الاتحاد السوفيتي. وتحول صراع الطبقات الى صراع الشعوب المستعمرة.
منذ 1949 طلبت الصين الشيوعية الى المسيحيين فيها التحرر من التاثير الاجنبي. بلغت الحرب الدينية ذروتها مع الثورة الثقافية سنة 1966- 1968، ثم همدت قليلا بعد ذلك. وبحصول البلدان المستعمرة على الاستقلال، بدات تؤلف العالم الثالث الذي راح يعي رويدا رويدا قوته ويحمّل الدول الغربية بما فيها المسيحيون مسؤلية فقره.
رسالة الحياة البشرية”:
رفض البابا بولس السادس في رسالته كل الطرق غير الطبيعية لمنع الحمل. اخذ على الرسالة انها انطلقت من فكرة الطبيعة التي يرتكز عليها لا تخلو من اللبس. هل توقف الانسان يوما عن تحسين الطبيعة وهو غالبا يجاهد ضدها (كوارث طبيعية، امراض، موت)؟ من هنا فان كثير من الكاثوليك لم يقروا بان الرسالة موجهة اليهم. وهذه اشارة الى تراجع في السلطة الباباوية.
نشاة لاهوت التحرير:
في اغسطس 1968 زار البابا بولس السادس كولمبيا وهناك اعلن “للسلام اسم هو التنمية”، كما ادان بعنف حركات التحرير. بيد ان فلسفة التنمية في نظر الكثيرين، تقود الى الفشل، لانها تدعم راسمالية الشركات العالمية المتمركزة في امريكا الشمالية والتي تدعمها انظمة امريكا اللاتينية العسكرية. فالكنيسة متهمة دائما بانها محافظة وانها متضامنة مع هؤلاء. في سنة 1966 مات الاب كاميليو في حرب العصابات في معارك التحرير. ويقول لاهوتيو التحرير ان على المسيحيون ان يشاركوا في هذه الحروب بغية الحصول على العدالة في سبيل الفقراء.

Advertisements

المجتمع السياسي والكنيسة-1

(1870 – 1930):
بدت الحياة اليومية تتخلص رويدا رويدا من الفكر الديني. ومن ثم اتسعت ظاهرة السعي نحو العلمنة.
المانيا:
اكد اعلان قيام الامبراطورية الالمانية التفاف الشعب الالماني حول بروسيا وحول عاهلها وليم الاول. بدا القلق يساور الكاثوليك وهم اقلية في خضم اغلبية بروتستانتية يقودها سياسي داهية هو بسمارك.
نظم الكاثوليك صفوفهم واسسوا حزبا سياسيا اطلقوا عليه اسم “حزب الوسط”.
غضب بسمارك وادى ذلك الى مناهضة الانشطة الكاثوليكية. وقد اطلق المفكر الالماني فالك على هذه المرحلة اسم الصراع الثقافي.
دول اخرى:
سرى تيار العلمنة في سائر اوربا وامتد الصراع الثقافي الى النمسا وسويسرا فاقرت الدولتان علمنة المدارس.. امتد الصراع الى شبه جزيرة ايبريا وقام بعض الثوار في اسبانيا بتدمير الاديرة وقتل الرهبان والكهنة حتى تم فصل الدولة عن الكنيسة.
الكاثوليك الفرنسيون والجمهورية الثالثة:
انهارت الامبراطورية الفرنسية في سبتمبر 1870 ومزقت الحرب الاهلية فرنسا. تعاطفت الحكومة مع الكنيسة. الا ان المعارضين للانشطة الكنسية لم يقفوا مكتوفي الايدي وهم الذين يتمسكون بشعارات 1789 مثل الماسونيين واتباع فولتير ودعاة المذهب الطبيعي ولبثوا يتحينون الفرصة حتى استولوا على الحكم بعد 1875 ثم قاموا بانشاء مؤسسات تنافس مؤسسات الكنيسة. اعلنت حرية الطلاق كما منعت الصلاة في جلسات البرلمان.
الكاثوليك – موقف الدفاع:
اضطر الكاثوليك الى اتخاذ الوسائل الممكنة لتنشئة اولادهم على الايمان. فتعمدوا اقامة مؤسسات توازي ما تقيمه الحكومة فظهرت ازدواجية الحياة في فرنسا.
ناشد البابا لاون ال13 الكاثوليك حفاظا على وحدة الوطن اقامة جسور تضامن وتعاون مع الدولة فقال:
“ان قامت حكومة جديدة شرعية تحمل مسئولية السلطة ، فان التعاون معها ليس فقط مسموحا به، بل هو واجب وفرض يقتضيه الخير العام للمجتمع، هذا المجتمع الذي جاء بهذه الحكومة وعليه ان يساندها… وذلك لا يعني ان احترام السلطة الشرعية يفرض حتما الخضوع لاي اجراء تشريعي بصورة مطلقة يصدر عن هذه الحكومة”.
الفصل بين الكنيسة والدولة:
في سنة 1902 اصبح اميل كومب رئيسا لفرنسا فشن حربا شعواء على كل ما هو ديني. في ديسمبر 1905 صدر لقانون بذلك.
الحرب العالمية الاولى وموقف المسيحيين:
بدا موقف البابا في روما في حرج، فالمتحاربون جميعهم مسيحيون، ولذا اتجه البابا الى العمل على صعيد انساني.
المسيحيون في مواجهة النظم الشمولية
الفاشية الايطالية – النازية الالمانية – الشيوعية الملحدة في روسيا
الفاشية كلمة ايطالية بمعنى عصبة. بدات هذه الحركة بتجمع عدد من المحاربين القدامى دفعتهم حماستهم لانقاذ ايطاليا بعد ان اخفقت في حروبها وتراكت عليها المشاكل الاقتصادية. وكان على راس جماعة المحاربين القدامى (الفاشيون) موسليني الذي نجح اولا في كسب تعاطف الكاثوليك.
ارادت الفاشية ان تضم كل انسان اليها من الميلاد حتى اللمات فاخذت التعدي على كل المؤسسات الدينية.
النازية:
يمكن القول ان هزيمة المانيا في الحرب العالمية الاولى ادى الى ظهور النازية. فقد تبلور هذا الفكر في كتاب هتلر “كفاحي” والذي تبنى تحقيق ما جاء فيه الحزب الوطني الاشتراكي.
لقد التف جميع الساخطين على نتائج الحرب حول هتلر واتهموا اليهود والبلاشفة والاشتراكيين بالخيانة. وكتاب كفاحي” يضع ايدولوجبية ترتكز على تفرقة عنصرية ارخة، وعلى عداء شديد للسامية وعلى هدف لا شك فيه هو تدمير المسيحية.
في سنة 1933 ابان ازمة اقتصادية طاحنة المّت بالوطن قفز هتلر الى السلطة رغم انه لم يحظى باغلبية مطلقة، فقد ايده الكاثوليك الخائفون من المد الشيوعي الروسي وبخاصة كاثوليك حزب الوسط. ولم يلبث هتلر طويلا حتى حل جميع الاحزاب وكشف عن عدائه للدين.
الشيوعية:
نجحت الشيوعية في الوصول للحكم في الاعوام 1917- 1920. ومن ثم بدا القلق يساور دول ازربا ، وازداد القلق عقب اعلان الجمهورية في اسبانيا سنة 1931. وصحب ذلك الاعلان اتجاه عنيف لاضطهاد الكنيسة ورجالها. فخربت الاديرة ونهبت مؤسسات الكنيسة ، حتى برز الجنرال فرانكو كبطل وطني مسيحي وكرمز للمقاومة. واشتعلت الحرب الاهلية في اسبانيا وراح ضحيتها اكثر من مليون انسان، واحرقت الفا من الكنائس واغتيل سبعة الاف كاهن. وحمل فرانكو لواء الدفاع عن الدين. واعلن جميع الاساقفة الولاء له سنة 1973. ولم يمنع ذلك تمسك كاثوليك اقليم الباسك بالمبادئ الجمهورية. وجدير بالذكران القوى العالمية انقسمت في موقفها ازاء الحرب الاهلية الاسبانية سعيا وراء مصالحها، فقد ساعدت القوى النازية والفاشية فرانكو كما تلقى الجمهوريون العون من باقي القوى العالمية الاخرى.
بدت الهالة التي احاطت بفرانكو تسقط بسبب العنف الدموي الذي صاحب الحركة.
++
المسيحيون والانقسامات الطائفية (1848- 1948)
تحررت اوربا الشرقية والبلقان من سيطرة الاتراك. فاليونان ثم بلغاريا فرومانيا … حصلت على الاستقلال. وفي كل بلد اسس المسيحيون الارثوذكس كنيسة مستقلة لكل منها بطريركها. فاصبح للارثوذكس 15 كنيسة.
سمحت ثورة 1917 لكنيسة روسيا باعادة البطريركية بانتخاب تيخون. ونظرا الى هجرة اواخر القرن ال19 نزح مسيحيون شرقيون الى سائر بلاد الغالم. تسببت مذبحة الارمن سنة 1915 في تشتيت الارمن في العالم.
++
من الحرب العالمية الثانية الى المجمع الفاتيكاني الثاني (1939- 1958)
واجه المسيحيون الحرب كسائر مواطنيهم. وجد الضمير المسيحي ذاته تجاه خيارات صعبة. ما موقفنا من المحتل؟ هل يجب الرضوخ للسلطات القائمة؟. هل يمكننا السكوت تجاه ابادة اليهود؟ هل العنف مشروع لاجل تحرير الاوطان؟.. اختلفت المواقف باختلاف البلدان وحتى داخل كل بلد.
في الشرق:
اراد الالمان ان يضفوا الطابع الجرماني على غربي بولونيا، فقاموا باضطهاد كنيسة بولونيا. اليهود تكدسوا في سجون وارسو. كاثوليك بولونيا يسالون البابا رايه فيخاف اذا تكلم ان يزداد مصيرهم سوءا. فقدت بولونيا 6 ملايين من ابنائها واحد ضحاياهم في مخيم اوشويتز هو الاب ماكسيميليان كولبه. اما في روسيا فقد سهل تقدم الجيوش الالمانية اعادة الحياة الدينية وتاسيس كنائس منفصلة عن موسكو. عاد البطريرك الى موسكو (1943): سرجيوس اولا ثم الكسي. لكن مع انتهاء الحرب انقلب الموقف فعادت الاضطهادات.
سلوفاكيا وكرواتيا:
في ربيع 1939، بعد ان ضم هتلر منطقة بوهيميا، اعطى سلوفاكيا نظاما شبه استقلالي. اما الاستقلال الكاذب لجمهورية كرواتيا بقيادة انتي بافليتش، فقد اعتبره كثير من الكاثولي بمثابة اخذ ثار من صربيا الارثوذكسية، اذ اصبح ذريعة للعنف ضد الارثوذكس ولحرب اهلية ضارية. وراى المونسينيور ستابيناك، اسقف زغرب، نفسه ممزقا بين عاطفته الوطنية الكرواتية وارادة مقاومة انتهاك حقوق الانسان.
فرنسا
كثيرون راوا في هزيمة 1940 ابان الحرب العالمية الثانية قصاصا الهيا سببه العلمنة. وبدا المارشال بيتان وكانه جان دارك جديدة. فاصبح النظام مواليا للكنيسة: بوسع الرهبان والراهبات ان يعودوا للباس زيهم.. لم يكن هناك اية رد فعل رسمية للمسؤلين المسيحيين حتى يوليو 1942 اثناء حملة اعتقالات ديف والنفي المنظم لليهود من فرنسا الى المانيا. وقد عبر المطران سالياج اسقف تولوز والمطران تياس اسقف مونتوبان عن اعتراض الضمير المسيحي: فجميع الناس اريون وغير اريون هم اخوة. هناك اساقفة اخرون كاكردينال جرليه اسقف ليون عبروا عن سخطهم ولكنهم ظلوا متحرجين بسبب التمييز بين ما هو اخلاقي وما هو سياسي. لم يكن الاساقفة يحبذون المقاومة المسلحة لانهم ينتقدون العنف والتمرد على السلطة القائمة. لكن المسيحيون تجندوا في المقاومة على مسؤوليتهم الخاصة.. ومنهم من ضحوا بحياتهم من اعضاء العمل الكاثوليكي ..
المانيا:
معارضة النظام كانت تعني العمل على هزيمة المانيا. الكنيسة البروتستانتية اخذت موقفا مبكرا ضد السياسة العرقية وكثيرون من اعضائها ادخلوا معتقلات الموت حيث توفى الكثيرون (بنهوفر 1945). اسقف مونستر فون كالن ادان بصراحة قتل المعاقين عقليا والضعفاء (اغسطس 1941)..
صمت بيوس ال12:
لم يكن البابا متعاطفا مع النازية مطلقا لكنه كان يفضل المداخلات الدبلوماسية الرصينة على الاعلانات الرسمية.
ابادة اليهود:
وصلت المعلومات حول نفي اليهود وابادتهم الى الفاتيكان مبكرا، ولكنها لم تكن واضحة، وماسيها الجنونية كانت بعيدة عن التصديق. في ربيع 1943، عرف بيوس ال 12 كل شئ وشعر بعدم قدرته على العمل. فلمح في نصين علنيين الى الابادة العرقية لكن التلميحات ظلت عامة. فلم يذكر لا البهود ولا الالمان خوفا من ان بعود تدخله بالويل على من يريد ان يدافع عنهم.. كانت للمداخلات الدبلوماسية بعض المفعول في سلوفاكيا وكرواتيا والمجر، حيث توقف نفي اليهود الى حين. هذا ولم يكن البابا يملك منبرا سياسيا.

الثورة الفرنسية

هل كانت الثورة الفرنسية ثورة ضد الكنيسة؟
كان قيام الثورة الفرنسية عبارة عن ترجمة لروح التنوير الى الواقع: اي نصرة العقل في مجال السياسة.
الاكليروس وبداية الثورة الفرنسية:
ارادت الحكومة الملكية في فرنسا ان تجد حلا للازمة المالية والسياسية، فدعت ممثلي الاكليروس والاشراف والشعب. كانت قوائم الشكاوى تقترح اصلاح الكنيسة وقطاعات الحياة القومية الاخرى. لا نستشف في هذه القوائم اي عداء للدين. لقد شارك جميع النواب وروبسبيير نفسه في التطواف الذي افتتحت به اعمال الجمعية في 5 مايو 1789 حاملين الشموع بايديهم. وكان معظم ممثلي الاكليروس من خوارنة الرعايا الذين قبلوا الانضمام الى نواب الشعب لتشكيل الجمعية القومية التاسيسية.
وامام المطالب والاضطرابات التي ظهرت في الارياف تخلى الاكليروس والاشراف ليلة 4 اغسطس عن جميع امتيازاتهم. وفي 26 اغسطس صوتت الجمعية على اعلان حقوق الانسان والمواطن”، وهي المبادئ الاساسية التي قام عليها النظام الجديد. كان هذا الاعلان مستوحى من فلاسفة التنوير ومن الاعلان الامريكي لحقوق الانسان الصادر سنة 1776: الحرية والمساواة والملكية حقوق مقدسة. وفي الثاني من نوفمبر 1789 وفقا لاقتراح تاليران اسقف اوتون وضعت جميع املاك الاكليروس تحت تصرف الامة، وتعهدت الدولة بمعيشة رجال الاكليروس. ولما كانت الكنيسة تملك سدس الاراضي بيعت هذه الاراضي للطبقة البرجوازية ولاغنياء المزارعين مما ادى الى انضمام هاتين الطبقتين الى الثورة.
دستور مدني
اعادت الجمعية التاسيسية تنظيم الشئون السياسية في فرنسا بشكل جذري. والذين وضعوا دستور “الاكليروس المدني” لم يكونوا اعداءا للدين ، فتغيرت الجغرافية الكنسية تغيرا تاما. فاصبح لكل محافظة ابرشية . الاساقفة ينتخبهم نفس من لهم حق الانتخاب السياسي.
القسم الدستوري:
لكن الاعتراضات التي قدمت عند النقاش تبناها 30 اسقفا من الاساقفة ال 32 المندوبين في الجمعية التاسيسية احتجوا على عدم طلب الموافقة من البابا على تعديل نظام الكنيسة في 1 اكتوبر 1790. اما البابا فلم يرد على الفور. وفي 27 نوفمبر فرضت الجمعية على جميع اعضاء الاكليروس الذين في الخدمة اداء اليمين للامة وللملك والتعهد بالمحافظة على الدستور بما في ذلك تنظيم الكنيسة الجديد. لم يؤد اليمين الا سبعة اساقفة من اصل مئة وستين. اما الكهنة فاختلفت نسبتهم باختلاف المناطق. وكانوا نحو النصف في مجمل فرنسا لعدم اطلاعهم على موقف البابا.
رد البابا:
في مارس 1791 شجب البابا بيوس السادس دستور الاكليروس المدني والمبادئ التي سار عليها المشرعون لانها تنكر حقوق الله باعلان حرية مطلقة.. وطلب البابا ان يرجع جميع الذين اقسموا اليمين عن قسمهم وحرم جميع الاساقفة الذين تم انتخابهم فحدث انشقاق: من جهة كنيسة دستورية تعترف بها الدولة وكنيسة عاصية متضامنة مع بابا روما. وهنا لابد من الحذر في تبسيط الامور ، فما كل كاهن اقسم اليمين كان بالضرورة كاهنا سيئا ولا كل من رفض هو بالضرورة بطل. ان الدوافع كانت متنوعة. وبعض الكهنة اقسموا اليمين ليتمكنوا من البقاء مع رعاياهم.
درب صليب كنيسة فرنسا:
على مدى 10 سنوات سادت البلبلة اجواء الحياة الدينية لكن ممارسة العنف لم تكن متواصلة. لقد غض النظر عن الكنيسة العاصية حتى ربيع 1792.وبعد ان اقصى الكهنة الذين لم يقسموا اليمين عن اماكنهم، اخذوا يقيمون الشعائر الدينية في اماكن اخرى. ولما اعلنت الجمعية التشريعية الحرب على النمسا في ابريل 1792، وتراكمت الهزائم راى بعضهم ان الكهنة العاصين اعداء في الداخل وجرى التفكير في نفيهم. كان الاساقفة قد هاجروا ثم جاء دور الكهنة: من 30 الى 40 الف رحلوا الى جميع بلدان اوربا.
محاربة الدين:
ادت الصعوبات في الداخل والخارج الى التشديد في التدابير المتخذة ضد العاصين، سرعان ما شملت جميع المظاهر الدينية. فسجن نحو 300 من رجال الكنيسة بسبب عصيانهم وماتوا في المجازر التي جرت في سبتمبر 1792، في عداد نحو الف قتيل. وفي الشهر نفسه نزعت الاحوال الشخصية (سجلات الميلاد والزواج والوفيات) وعهد بها الى البلديات، وابيح الطلاق. ولم يكن لاعدام الملك لويس ال16 معنى سياسي فقط فان بسط اليد على مسيح الرب كان في نظر المسيحي خطية لا تغتفر. بالاضافة الى الانتفاضة في غرب فرنسا بسبب رفض التجنيد والحروب الضارية راح مئات الالوف من الضحايا.
ايام الرعب:
ان بغض المسيحية والعزم على تدميرها بلغا ذروتهما في ايام الرعب الذي استمر من سبتمبر 1793 الى يوليو 1794: تاليه العقل واعدام العديد من الكهنة والراهبات كخونة ومتعصبين. يمكن القول ان المحاكم الثورية كانت تتذرع غالبا بذرائع سياسية. وبسقوط روبسبيير يوليو 1794 انتهت ايام الرعب وبدات فترة من الراحة للدين.
محاولات لاعادة التنظيم:
في 21 فبراير 1795 تم الاعتراف بحرية العبادة. بذلك اعتمدت فرنسا نظام الفصل بين الكنيسة والدولة وشهد الصوم الكبير كنائس حافلة بالمؤمنين. ولكن وجود كنيستين ظل قائما.
تصدير الثورة:
في بلجيكا اقفلت الاديرة وبيعت املاكها. ونفى 600 كاهن بلجيكي ..
عصر نابليون:
المعاهدة:
اجتمع الكرادلة في البندقية وانتخبوا بابا جديدا بتاريخ 14 مارس 1800 اتخذ اسم بيوس السابع. حين كان اسقف ايمولا صرح بان صيغة الحكم الديمقراطي لا تتعارض مع الانجيل.
باشر نابليون بونابرت مفاوضات شاقة مع البابا ادت الى ابرام معاهدة في 15 يوليو 1801.
تعترف حكومة فرنسا بان الدين الكاثوليكي الروماني هو دين معظم المواطنين. يعترف قداسته بان هذا الدين جنى وسيجني اعظم الفوائد والرونق من اقامة الشعائر ..
شهر عسل قصير:
في فرنسا دام شهر العسل عدة سنوات. نهضت الكنيسة ببطء. بلغ نابليون ذروة شعبيته حين حصل من البابا على التتويج في 2 ديسمبر 1804.
الصراع الجديد:
منذ 1806 توترت العلاقة بين الامبراطور والبابا. واستمرت هذه الاحوال حتى سقوط نابليون. اراد بونابرت في صراعه مع انجلترا ان يلتزم البابا بواجبت المقاطعة: اي منع التجارة مع انجلترا وحلفائها. فرفض البابا. وفي فبراير 1808 قامت الجيوش الفرنسية باحتلال روما وفي مايو 1809 ضمت الدولة البابوية الى الامبراطورية الفرنسية. وفي 6 يوليو وضع البابا في الاقامة الجبرية حتى مارس 1812.
تراث الثورة:
خرجت الكثلكة من خضم الثورة وامبراطورية نابليون بتحولات عميقة. اذ انتقلت معظم املاك الكنيسة الى ايد علمانيين. اصبح ممكنا للفرنسيين ان يعلنوا انهم ليسوا كاثوليك ولا مسيحيين. وبانشاء احوال الشخصية افلتت مراحل حياة الفرد من متابعة الكنيسة كما ان الكنيسة فقدت السيطرة على التعليم ايضا. معاداة رجال الدين والحاد الدولة سيتذرعان في وقت لاحق بمبادئ الثورة. خرج ايمان المسيحيين من المحنة مطهرا.
وجودان فرنسيان: ان تراث الثورة قسم الفرنسيين حتى عهد قريب الى وجودان. ففيما اليبراليون يتذرعون بالمبادئ الثورية من حرية ومساواة، يرى معظم الكاثوليك في الثورة عمل الشيطان. انتقل هذا النزاع الى داخل الكنيسة حين راى بعض الكاثوليك ان مبادئ سنة 1789 لا تنافي الانجيل وان السعي لاحياء نظام قديم امر باطل.
اعادة النظام القديم والليبرالية (1815- 1870)
راى جوزيف دي ميستر في الثورة عقابا الهيا واه لابد من العودة الى الملكية ذات الحق الالهي ومن الاعتراف بالبابا ككفيل للنظام الشامل.
ولكن لم يكن ممكنا شطب 25 عاما بجرة قلم. وكان المستفيدون من الثورة يحرصون على الاحتفاظ بمكاسبها. وكان يكمن في الربط بين الاحياء الديني والعودة للماضي اخطار جسيمة، لان التهجمات على الانظمة السياسية كانت موجهة في الوقت نفسه الى الكنيسة لاعتبارها متضامنة معها.
العودة الى الماضي لسياسي واعادة البناء الديني:
العرش والمذبح:
عادت الكثلكة لدين الدولة. الغى الطلاق. اعير اهتمام خاص في اختيار كهنة الغد باعادة تنظيم المعاهد الدينية. في نصف قرن اضيف 5000 رعية جديدة الى ال 27000 القائمة سنة 1825.
مئات الجمعيات الرهبانية:
قدمت الرهبانيات للكنيسة المع الشخصيات. كثير من التجمعات الدينية التي تكونت ابان الثورة تحولت الى جمعيات رهبانية: وكانت تتوخى تلبية الاحتياجات المحلية : من تعليم وخدمة المرضى والفقراء. وكانت الروحانية تستند الى التيارات الرهبانية القديمة : الاغناطية والدومنيكانية والفرنسيسكانية.
في الوقت نفسه كثرت المؤسسات الخيرية .
الكنيسة والتعليم:
كانت الكنيسة عاجزة عن العودة الى تسلم كل مراحل التعليم، فسعت الى تشجيع ابنائها في تنظيم تعليم الدولة. واصبح بعض الكهنة مديري معاهد او اساتذة فلسفة. وقدمت الجمعيات الرهبانية الجديدة مدرسين ومدرسات للتعليم الابتدائي ثم اسست مدارسها الخاصة.
النتائج:
قلة الايمان ومعاداة الاكليروس تميزت بها الطبقة البرجوازية المتاثرة بالافكار الثورية دون الطبقات الشعبية.
عبر اوربا:
ايطاليا:
انتشرت معاداة رجال الدين وساعدت على ذلك الجمعيات السرية كجماعة كربوناري. حافظ جنوب ايطاليا على نظامه القديم، في حين بدا الشمال اكثر نشاطا بفضل انشاء رهبانيات جديدة مثل رهبنة كوتولنغو ودون بوسكو.
المانيا والنمسا:
في المانيا ادت التعديلات الى رفض المبدا القديم “الناس على دين ملوكهم”. فهناك كاثوليك اصبحوا الان تحت سلطة امراء بروتستانت. وكان لابد من العثور على حلول مقبولة. ادت الى مفاوضات طويلة وغالبا الى توترات.
في ميونيخ انهى جون ادم موهلر تعليمه كمؤرخ ولاهوتي. وفي كتابه “الوحدة في الكنيسة”، حاول التخلص من النظرة القانونية والسلطوية للكنيسة، لادراك طبيعتها ورسالتها. اراد موهلر ان يبرز اهمية الاختبار الشخصي فقال:
“لا تنحصر المسيحية في عبارات وصيغ بل هي حياة روحية باطنية وقوة مقدسة. لا قيمة لمناهج التعليم والعقيدة باسرها الا بقدر ما تعبر عنه هذه الحياة الباطنية. يمكن القول ان هذه العبارات لا تستوعب هذه الحياة الباطنية الفائقة الوصف ولا يمكن التعبير عنها..
انجلترا وايرلندا:
في بريطانيا كان عدد الكاثوليك مئة الف ولكن في ايرلندا كانوا يشكلون اكثرية السكان. اضطهد الايرلنديون الكاثوليك مدة طويلة بسبب ايمانهم، وكانوا شبه محرومين من اي حق سياسي. لكن جهود اوكونيل ادت الى تحرير جميع كاثوليك المملكة. واسهم عدة اشخاص بارزين في رفع شان تلك الجماعة الايلة الى الانقراض. اولهم وايزمان مؤلف فابيولا الشهير، ومهد وايزمان الى اهتداء جون هنري نيومان (1801- 1890). وضع نيومان هذه الصلاة:
“ايها النور الالهي وسط هذه الظلال،
ارشدني الى الانمام. اسهر على طريقي،
لا يهمني ان ارى الافق البعيد.
خطوة واحدة تكفيني. كنت احب بهاء النهار. وكانت الكبرياء رغم مخاوفي تمتلكني .
ارشدني وسط البيداء والمستنقعات والصخور والسيول ما دام الليل مخيما.
عند الصباح سيبتسم لي اولئك الملائكة الذين لم ازل احبهم وكنت ذات يوم فقدتهم”.
العالم البروتستانتي:
انطلق شلايرماخر في كتابه “خطب في الدين” (1799) من الضمير قائلا “ليس الدين فكرا ولا عملا، بل هو مشاهدة فطرية وشعور” الدين هو الشعور بالانتماء الى المطلق. وانطلاقا من هذا المبدا تصبح العقائد شيئا نسبيا، والشعور الذاتي هو القاعدة.
العالم الارثوذكسي:
على اثر انتفاضة اليونان (1821) شنق الاتراك على باب البطريركية ، غريغوريوس بطريرك القسطنطينية، في عيد الفصح، بعد احتفاله بالليترجية. على ان اليونان حصلت اخيرا على استقلالها سنة 1832. ورفضت الكنيسة اليونانية ان تخضع لبطريرك يعيش تحت نير الاتراك فاعلنت استقلالها سنة 1833.
وفي روسيا تابع الراسكولينيكي معارضتهم للكنيسة الرسمية وانقسموا الى عدة شيع. لكن خضوع الكنيسة للسلطة لم يمنعها من المحافظة على التقليد الروحي. برز سارافيم دي ساروف (1759- 1833) رائد الاستاريت اي الرهبان الشيوخ في القرن ال 19. وقام مفكرون حاولوا ان يشعروا الشعب الروسي باهمية العودة للارثوذكسية القديمة. اما انصار الغرب فكانوا يتطلعون الى الديمقراطية او الاشتراكية. والروائي دستويفسكي اخذ يستكشف موضوعات مثل الجنون والخطية والالحاد.
++
الله والحرية:
ان استئناف الكثلكة للنظام القديم ادى الى معارضة شديدة من البرجوازية الليبرالية. فتعددت طبعات مؤلفات فولتير. والغاء حرية الصحافة ادى الى شغب في باريس فنهبت مطرانية باريس وتم التعدي على الكهنة، ودمرت الصلبان.. ثم عادت المياه الى مجاريها شيئا فشيئا.
في انحاء اوربا:
كانت الثورة معدية. استاء البلجكيون من دمجهم في مملكة هولندا فثاروا. حتى اسسوا مملكتهم المستقلة في اكتوبر 1830.
كانت بولنداخاضعة لقيصر روسيا فثارت في نوفمبر 1830 واعلنت استقلالها. ولكن الروس سحقوا البولنديين واستعادوا وارسو في 8 سبتمبر 1832. كانت عملية القمع رهيبة فغادر الكثير بلادهم.
ربيع الشعوب:
ادى تحالف الناقمين من جمهوريين وكاثوليك متمسكين بالعهد الملكي البائد وعمال بطالين – الى ثورة في فرنسا في فبراير 1848 ورحب الجميع بالجمهورية لدى اعلانها.
جرت الانتخابات في اجواء حماسية يوم عيد الفصح. وكانت اكثرية الناخبين من القرويين السذج، فخضعوا لتوجيهات الاعيان والكهنة وانتخبوا مجلسا من المحافظين يجهلون مشاكل العاصمة الاجتماعية. فتدفق البطالون الى باريس ليعملوا في الورش القومية. لكن هذه الورش بدت كثيرة التكلفة فاقفلت. فنصب العمال في باريس الحواجز ونشبت الحرب الاهلية. بلغ عدد القتلى الالوف. واخيرا في ديسمبر 1848 تم انتخاب الامير لويس فليب رئيسا للجمهورية.
انقسام الكاثوليك فيما يخص الليبرالية:
الكاثوليك المتشددون كان في ودهم ان تستعيد الكنيسة نفوذها وامتيازاتها السابقة. اما الكاثوليك الليبراليون فكانوا اكثر واقعية. لقد ادركوا ما يحدث من تطور اجتماعي وتراجع ديني. فلم يطلبوا من الدولة الا اتخاذ موقف عدم انحياز ودي، ومن الكاثوليك المتشددين الرضى بالحرية المتاحة للجميع (على ان هؤلاء الكاثوليك ما زالوا حتى اليوم محافظين وربما رجعيين على الصعيد الاجتماعي).
العقل والايمان:
لقد وجه فلاسفة القرن ال 19 ادعاءاتهم ضد المسيحية. فاكد الفيلسوف كانت ان الله لا يدرك بالعقل. جعل رينان في كتابه “سيرة يسوع” يسوع مجرد انسان.
مكانة البابا في الكنيسة:
لم يقبل الكاثوليك ان يروا البابا مجردا من دولته ظنا منهم ان السلطة الزمنية ضمان لاستقلال البابا الروحي. ويوم اعلن البابا عن عقيدة الحبل بلا دنس” 1854، اكد بوجه غير مباشر عصمته عن الخطأ.
اجوبة جزئية:
تحت ضغط من عدة اساقفة اتخذ البابا بيوس موقفا من عدة قضايا معاصرة. فادان في الرسالة العامة السنوية قائمة تضم 24 قضية. بدت القضية الاخيرة وكانها ادانة للمجتمع الليبرالي المعاصر. فابتهج المتشددون. اما المعادون لرجال الدين فسخروا واستولى الدهش على باقي الليبراليين.
في هذه الاجواء المتوترة قرر البابا انعقاد المجمع الفاتيكاني الاول.
المجمع الفاتيكاني الاول:
انعقد بتاريخ 8 ديسمبر 1869. حدد المجمع وجود اله شخصي يستطيع العقل ان يدركه. مؤكدا في الوقت نفسه ضرورة الوحي. ولا مجال للنزاع بين العقل والايمان.

الكنيسة-التاريخ

اولا- مصائب الظلام
كان اهولها الطاعون الذي جاء من اسيا واجتاح اوربا ابتداءا من 1347 وعادت هجماته عدة مرات في نهاية القرن. فهلك ثلث سكان اوربا، لا بل اكثر. وكانت الحرب ايضا تعيث فسادا فلا يخفى على احد حرب المائة عام.
ولم تكن ضحاياها اولئك الذين سقطوا في ساحات القتال فحسب بقدر ما كانت بين المدنيين وقد نهبهم الجيوش المتحاربة. وكانت النصوص والتمثيليات تشدد على ما للموت من وجه رهيب: فهناك الجثث العارية المتعفنة والافواه الفاغرة، والاحشاء التي التهمها الدود. وكان الموت الموجود في كل مكان يدعو الناس الى فحص الضمير. فلان الله يعاقب الناس على خطاياهم. وكان الشيطان يتدخل بواسطة اعواه فهناك السحرة والساحرات. فهناك علم كاذب للاهوت وعلم نفس سئ يفسر كل شئ سئ على اساس قوى فائقة للطبيعة او شيطانية.
تطور الحياة المسيحية:
ان الشعور بالقلق امام الموت وعدم الاطمئنان وفقدان الثقة بالمؤسسة الكنسية من العوامل التي دفعت الناس الى البحث عن جميع وسائل الخلاص. وكثيرا ما كان تكريم القديسين وذخائرهم مبتذلا وخاليا من التقوى الحقيقة.
التعمق الديني والصوفي
وكانت تلك التقوى محركة للعواطف ايضا. وفي منعطف القرن ال 14 والقرن ال 15 اجتذبت الرغبة في حياة روحية مكثفة بعض الرجال والنساء من خارج الاديرة فشكلوا احيانا مجموعات صغيرة او رهبانيات ثالثة (ثالثة لانها غير الدومنيكانية والكرملية) كرهبانية كاترينا السيانية (1347- 1380). وكانت تلك الرهبانية اكثر اندماجا في مجتمعها وهي تقترح في مؤلفات اشهرها “الاقتداء بالمسيح” الذي كثيرا ما نسب الى توما الكمبيسي (1380 – 1471). وقد ابتعد العديد من الناس عن تصوف بدا لهم نظريا اكثر مما يجب، فكرسوا حياتهم على تعليم الشعب المسيح. ففي اجواء التعبد العصري هذه سينشأ رجال الاصلاح النهضة والاصلاح ومنهم على سبيل المثال ايراسموس ولوثر.
“ان قرويا بسيطا يعبد الله خير من عالم متعجرف يراقب دوران الفلك وهو عن نفسه غافل..

عصر النهضة والاصلاح
(نهاية القرن ال15 وال 16)
في نهاية القرن ال 15 ظهرت الدول العصرية التي تطلعت الى الاستقلال عن الانظمة القديمة اي البابوية والامبراطورية الالمانية وحدث تجديد ثقافي عميق اطلق عليه اسم النهضة. وساعد اختراع المطبعة على انتشار مؤلفات الحضارة القديمة.
نشأة الدول فرنسا وانجلترا واسبانيا:
ادت حرب المائة عام التي انتهت سنة 1453، الى تحديد اراضي كل من فرنسا وانجلترا. وفي فرنسا وطد الملوك سلطتهم ففي 1516 نال الملك فرنسوا الاول من البابا لاون العاشر حق تعيين جميع اساقفة المملكة. ولم تكن انجلترا الا مملكة صغيرة ومع ذلك قام ملكها هنرى الثامن بدور طليعي في اوربا سياسيا ودينيا.
وادى زواج ايزابيلا القشطيلية وفرديناندس الاراغوني الى ترسيخ الوحدة الاسبانية (1469). وكان الاستيلاء على غرناطة (1492) المعقل العربي الاخير توكيدا لاستعادة الاراضى الاسبانية وتوحيدها نهائيا.
الامبراطورية الرومانية الجرمانية المقدسة:
منذ سنة 1438 كان الامبراطور ينتخب دائما من اسرة هبسبورج (النمسا). وفي 1519 حين انتخب شارل الخامس اصب في الوقت نفسه وريث اراضي هبسبورج وبورغونيا ومملكة اسبانيا. وباضافة الاراضي التي استولت عليها اسبانيا في العالم الجديد لا عجب ان نرى شارل الخامس يحلم بالسيطرة على العالم باسره. ولكنه اصطدم بجاره ملك فرنسا وبالبابوية.
الاداب القديمة والايمان المسيحي:
كان اتجاه بعض الضالعين في الثقافة القديمة اتجاها وثنيا كما هو الحال مع مكيافيللي (1469- 1527) في مؤلفه الامير، لكن معظمهم بقى مسيحيا يرغب ان تتحسن اوضاع الكنيسة والمؤمنين ، وبين الكثير من الاخرين يعد توماس مور (1478 – 1535) اخف الادباء ظلا وفي كتابه الاوتوبيا (1516)utopia والتي تعني “عدم وجود شئ في اي مكان” ينتقد انتقادا فكاهيا مجتمعه سياسيا ودينيا. وكان ثابتا في ايمانه حتى بلغ به التمسك بالكنيسة الرومانية الى الاستشهاد.
ايراسمس
ولد من اب كاهن واصبح هو ايضا راهبا وكاهنا وكان شغوفا بالاداب القديمة، فغادر ديره بحثا عن المخطوطات. وتوخى في جميع مؤلفاته ان “يجدد الانسان بتطهير الدين وبتنصير الثقافة”. راى في تقاتل المسيحيين امرا فاضحا واضاف ان الناس ليسوا قدرة على ايقاف الحرب منهم على شنها.
“من كان اتباع المسيح؟ اليس خليطا من العميان والعشارين والحرفيين والنساء والاطفال؟ فكيف يحرجه ان يقرأ انجيله اولئك الذين ارادوا ان يصغوا اليه؟ في الحقيقة سيقرا كلامه الفلاح والحرفي والسارق والبغي والقواد وحتى الاتراك، ان لم يصرفهم هو عن سماع كلامه لن اصرفهم انا عن قراءة كتبه..
يريد المسيح ان تنتشر فلسفته الى ابعد ما يمكن. انه مات من اجلنا. فهو يريد ان يكون معروفا لدى جميع الناس. ولاشك ان هذا الهدف سوف يدرك لو نقلت كتبه الى جميع اللغات..
يبدو لي مضحكا ان يقوم رجال ونساء لا ثقافة لهم كالببغاء بترنيم المزامير وصلاة الاحد بالاتينية بدون ان يفهموا ما يرددونه”.
كنيسة لا تلبي رغبات المسيحية:
كان عدم الاطمئنان في شان الخلاص يؤلم المسيحيين الذين يتنازعهم الايمان باله قديم معروف باختياراته الجبرية ، وتهديد شيطان يرونه في كل مكان. ذلك ان عصر النهضة يتزامن مع المزيد من الانصراف الى السحر والى ملاحقة الساحرات.استمرت ملاحقة السحرة والساحرات الى منتصف القرن ال 17.
تاخذنا اليوم دهشة عظيمة امام تهكمات ايراسمس على تجاوزات رجال الاكليروس. فلا عجب ان نسمع من وقت الى وقت اصواتا ترتفع مطالبة بعقد مجمع اصلاحي.
رجال الاصلاح

كيف نشأت العلمنة؟

جرت العادة ان يوصف القرنان ال 14 و 15 بانحطاط العالم المسيحي. ولكن لابد اولا من الاتفاق على معنى كلمة “انحطاط”. فالمقصود اولا هو انحطاط نظام الحكم في العالم المسيحي. سبق ان رأينا ان هذا العالم المسيحي كان مبنيا على سيادة المقام البابوي الذي توصل الى القيام بدور الحكم الشامل في اوربا على عهد اينوقنطيوس الثالث. لكن هذا التوازن كان غير ثابت، حتى في القرن ال 13. فاختل شيئا فشيئا في القرون التالية عبر عدة ازمات كان بعضها خطيرا. فالملوك كانوا لا يريدون تدخل البابا في المجال السياسي. وفي داخل الكنيسة نفسها ادت الانقسامات الى انشقاق والى زعزعة سلطة البابا الزمنية. هذا وان نوائب الازمنة وحيرة الضمائر جرّت الى انفجار الفكر الديني ودلت على نهاية هذا النظام.
وهذا الانحطاط الذي اصاب العالم المسيحي لم يصب الحياة المسيحية في الكنيسة بل ادى الى تحولات عميقة اذنت بقرب مخاض جديد، تعقبه ولادة حقيقية لحياة مسيحية اكثر عمقا واسمى تجديدا.
اولا- نشأة روح العلمنة:
المقصود بالعلمنة فصل الدين عن الدولة. اخذ الامراء يرفضون شيئا فشيئا تدخلات البابا في كنيسة مملكتهم، ويثبتون في الوقت نفسه سلطتهم الخاصة في القضايا الكنسية.
ان من بين تعريفات الكنيسة هو جماعة الذين يؤمنون بالمسيح ويدعون باسمه، .. فالاساقفة والكهنة والشمامسة ليسوا وحدهم الكنيسة. من بين اراءهم:
قال السيد المسيح “ان لم يسمع منك فقل للكنيسة” ولم يقل “الاسقف او الكاهن” فلقد اراد ان تكون الكنيسة بصفتها جماعة المؤمنين، قاضيا يقام لهذه الغاية ويخضع لسلطته. فالبت بصفة قاض لتحديد المذنب، والتكليف بالحضور، والحكم.. كل ذلك هو من اختصاص كافة المؤمنين.

كيف نشأت محاكم التفتيش؟

قمع البدع:
لا ينبغي ان نرى في محاكم التفتيش موقفا عاما وثابتا للكنيسة حيال المنشقين الدينيين في القرون الوسطى. فلقد تذبذب موقف الكنيسة حيالهم زمنا طويلا وقد كثرت الاقاويل عدة سنيين، وفي حقيقة الامر لم يصبح القمع الديني عملا منظما الا في القرن ال 13 ، كما انه لم يقتصر على الكنيسة الكاثوليكية ، او على العالم المسيحي فحسب. فالقمع الديني ظاهرة تخلف حضاري يؤدي الى فهم خاطئ للدين ولسبل حماية الجماعة من البدع والهرطقات. سبق لنا ان شهدنا صدور تشريع مناهض للبدع في ايام الامبراطورية المسيحية. وكان بعض الاساقفة، كالقديس اغسطينوس او القديس يوحنا ذهبي الفم، قد قبلوا به، مع رفض عقوبة الاعدام للهرطوقي (بدليل انتشار بدع منذ القرون الاولى..). وبالرغم من وجود تلك القوانين القمعية اظهرت الكنيسة على وجه عام، كثير من التحفظ في استخدام العنف لمقاومة الهرطوقيين، حتى القرن ال 11. فلم يصل الينا خبر حكم بالموت بسبب البدعة في القرون الاولى حتى الوسطى المتقدمة، بل ورد فقط بعض حالات الالقاء في السجن.
حركات شعبية وعنف تدريجي:
وقد طرأ تغير في القرن ال 11 و 12، اذ يبدو ان عدد المنشقين قد ارتفع. ادرك العالم ان وحدة الايمان هي قاعدة المجتمع، فكان لابد من المحافظة عليها مهما كلف الامر. واعيد استخدام القانون الروماني حيث اكتشف فيها تشريعا مقاوما للبدع ودون ان يغربل او يدرسوا وسائل تطبيقه في الماضي، راحوا يصعدون استخدام القوة تدريجيا. ففي عام 1022، اتهم بعض الهراطقة، ولعلهم من المانويين الجدد (الكتار) بارتكاب اعمال خلاعية فحكم عليهم الملك، تحت ضغط الجمهور، بالاعدام حرقا، مع ان بعض الاساقفة كانوا يعترضون على عقوبة الاعدام في مثل تلك القضايا. ويشددون على ضرورة اقناعهم. ولكن اذ بدا عقاب الحرم غير كاف، كان لابد من القبول باستخدام العنف لحماية كرم الرب من تدمير الثعالب.
اعداد تشريع مناهض للهراطقة:
ان مرسوم غراسيانس (1140)، الذي يوفق بين النصوص القانونية التقليدية (الشرع الروماني والقرارات الخ)، ياخذ بعين الاعتبار ثلاث مراحل في الاجراءات الخاصة بمقاومة البدع ، وهي محاولة الاقناع، والعقوبات الكنسية ، وفي اخر الامر فقط الاستعانة بالسلطة المدنية، اي بقضاء الامراء. وكان الامراء يقومون بحجز اموال وبعقوبات جسدية من دون ان يفكروا صراحة في عقوبة الاعدام. ولقد ميز المجمع اللاتراني الثالث (1179) بين الهراطقة الذين يمكن ان تنزل بهم العقوبات الروحية والذين يجب محاربتهم لانهم يشكلون عصابت. وفي 1184، تعاون البابا لوقيوس الثالث والامبراطور فريدريك بربروس في تنظيم قمع مشترك دون تحديد العقوبة المستوجبة. وفي عام 1179، ماثل الملك الارغوني البدعة بجريمة الاعتداء على الجلالة الملكية، وهي تستوجب عقوبة الموت حرقا. وفي 1199، وصف البابا اينوقنطيوس الثالث البدعة بانها اعتداء على الجلالة الالهية.

الحملة الصليبية على الاليجيين:
وحين قتل موفد البابا اينوقنطيوس الثالث، المكلف بمحاربة البدعة في جنوب فرنسا الغربي، دعا الى حملة صليبية على الاليجيين (1208). وكانت البي مركز منطقة يعيش فيها كثير من الهراطقة. وكانوا يدلون بكلمة اليجيين على الكتار خاصة، واحيا على الفالديين. وقد تحولت الحملة الصليبية الى حرب بين والى الشمال وولاة الجنوب. فقد وجد اولئك في ذلك فرصة استعادوا فيها بعض الاقطاعات. واشهر حدث في تلك الحرب الصليبية هي مجزرة سكان بيزيه، وكانوا قد التجأوا الى الكاتدرائية (1209).
محكمة التفتيش:
نشأت محكمة التفتيش، بالمعنى الدقيق، في السنوات 1220- 1230، حين تعاونت السلطة المدنية والسلطة الكنسية في البحث المنظم (التفتيش) عن الهراطقة وفي معاقبتهم، وحين عمت تلك الحملة المنظمة مجمل الكنيسة. وفي ذلك الوقت كانت عبارة العقوبة تعني لحرق. فقد تغلب الوجه العقابي على الوجه العلاجي، مع ان الموت لم يكن اكثر العقوبات. فهناك عقوبات اخرى كالسجن والغرامة والحج الى الاراضي المقدسة.
التفتيش والمفتشون:
هناك، بحسب مصادر القرار، تفتيش علماني مدني وتفتيش اسقفي وتفتيش بابوي.
ليس من السهل ان يفسر كيف ان كنيسة تنتهج نهج الانجيل استطاعت ان تحرق احياء من رفضوا تعاليمها. كان العالم المسيحي الغربي ، من بعض النواحي، نظاما شبيها بالنظام الشمولي القاسي الدكتاتوري، فاستخدم لتأمين بقائه، وسائل العدل، حسب اعتقادهم، التي كانت مستخدمة في ذلك الزمان.

مقارنة اديان: البوذية والمسيحية

بعض تعاليم المسيحية في مقابل البوذية:

المسيحية: خلق الله العالم ورأى أنه حسن.
البوذية: العالم وهم او خيال.
المسيحية: يأتي الخلاص من طاعة الله والإيمان بيسوع المسيح.
البوذية: الخلاص (أي السكينة) يأتي من التخلص من جميع الارتباطات الارضية والرغبات ، والاعتراف بان الحياة وهم ووحدة كل الأشياء.
المسيحية: الخلاص يكون بالوصول الى الكمال بالاتحاد مع الله في القداسة بالحب.
البوذية: الخلاص يتكون من رفض كل الفردية ، في وحدة غير متمايزة مع كل الأشياء ، مع عدم وجود الفكر الواعي.

المسيحية: هناك حياة واحدة وموت واحد ، يتبعها دينونة أبدية.
البوذية: هناك دورة مستمرة من الحياة والموت والدينونة (بنوعية ما) ، ولادة جديدة ، تنتهي فقط بتحقيق السكينة.
المسيحية: يولد الخطيئة من انحراف الرغبات الفطرية- ولكن الرغبات غير الفاسدة تستحق الثناء وهي ضرورية، والرغبة في تحقيق ذات الله هي أعلى فضيلة.
البوذية: جميع الرغبات هي عقبة أمام الحياة الصالحة – حتى الرغبة في النرفانا او السكينة.

المسيحية: جميع البشر خلصوا من خلال المسيح وذبيحته على الصليب. هو وحده ضروري وكافي لخلاص أي شخص.
البوذية: يمكن أن يقوم المعلم البوذي بتوجيه الآخرين إلى السكينة ، ولكن لا يمكن تحقيق النرفانا في نهاية المطاف لك. حتى بوذا نفسه ليس ضروريا ولا كافيا لأي شخص إلى بلوغ السكينة.
المسيحية: الله مميز بشكل أساسي عن إبداعاته ، بما في ذلك الإنسان.
البوذية: لا يوجد شيء مميز عن أي شيء آخر.

المسيحية: الجسد عبارة عن هيكل لروح الله ، وسوف نعطى في يوم من الأيام أجسامًا مثالية في يوم القيامة.
البوذية: الجسم هو وهم، وتحرير العقل من هذا الوهم هو الهدف.

استمر في القراءة